أروى عثمان
أروى عثمان
أروى بنت الجمهورية

سقطت صنعاء 
سقطنا جميعاً ، دولة وجمهورية ، وقبل الكل سقط حلمنا ، سقطت معنى المدينة ، معنى الحرية ، وأن أكون مواطنة بروح ثورة 26سبتمبر التي جعلتني أتعلم ولا التحق بعالم أمي وجدتي وعام الجدري ، والطاعون ، والجوع .. 


أنا أروى بنت الجمهورية التي كنتها.. 
أنا و"يا بابا ويا ماما دعوني أروى بنت الجمهورية " كما كانت تصدح إذاعة:صنعاء وإذاعة تعز ، في السبعينيات وأنا أحمل شنطتي وأتوجه إلى مدرسة الثلايا في الجحملية .. وقبلها معلامة " بن حمود " في سوق الصميل ، وأتهجأ أبجديتي في :المواطنة المتساوية ، والدولة ، والقانون ، والحرية .. 


خرجت ثاني يوم انكسار من 21سبتمبر2014 .. نعم أعترف أني منكسرة .. انكسرت وأنا بنت الجيل الذي أحس بالتغيير وطعم الحرية بالتعليم .
فتحت عيناي على جيل: فوزية نعمان ، فاطمة أبو بكر العولقي ، رؤوفة حسن ، أمة العليم السوسوة ، وجميلة علي رجاء وأخواتها ، رمزية الإرياني ، وبلقيس الحضراني ، ..الخ 

 

نعم أقولها بالصوت المليان انكسرت كما لم انكسر في حياتي قط ، وبكيت ، ومازلت حتى اللحظة وأنا أكتب هذه المقالة ، أبكي .. منذ ال21سبتمبر2014.
في اليوم التالي ، توجهت بثقل أقدامي ولبست بدلتي الرسمية ، ومشقري وكاميرتي ، إلى التحرير .. ساقتني قدماي إليه طواعية .. هل لأطمئن عليه .. أم لأطمئن على نفسي من خلاله ، لست أدري ؟!
هل مازال التحرير تحريراً ، برغم الدقات الكثيرة في رأسه ، والدقة الكبرى لصالح وبلاطجته وهم يستبيحونه يومياً نهاراً جهاراً ؟ لكنه شارع التحرير ، ملك كل الناس ، يؤمه الداخل والخارج ومن كل أنحاء العالم ..
كعادته في ذلك اليوم الصاخب بالحيوية ، برغم الشرخ والتوجس من تلك الكائنات الغريبة التي هبطت مدججة بكل أنواع الأسلحة ، تعتمر الفجيعة تعتلي أطقم عسكرية للدولة طليت باللون الأخضر القبيح ، وشعارات الصرخة ، أخضر اللادولة ، أخضر القبضة الهمجية المسلحة المنفلتة ، أخضر القات وأستار المذهب والطائفة ، أخضر الملك والغنيمة ، أخضر إجلال الحرب والقتل والشهادة وليذهب الجميع وقودها ، لإسترجاع ملك السلالة والعرق والطائفة والبطنيين ب"البصيرة الإلهية للحق الإلهي " ، أخضر العكفة ل: "خلع الزنة ولبس ميري" ، وزوامل العنف التي تخفت من ضجيج الشارع ، ليعتلي صخب العنف " مع ربي جهادي وبالعشر مانبالي" و" حيا بداعي الموت قل للمشرق والمغرب " ..

 

مالاحظته ف ذلك اليوم ، إمتقاع وجوه الناس ، وسؤال لم يبلع برغم الزامل : ماهذا ؟ من هم ؟ وكيف أتوا؟ ، ولماذا هم يشرخون المدينة والمتجر والكشك والسوق والمقهى ، والمسجد والمتحف والبنك ، ورصيف" دمت يا سبتمبر التحرير "..الخ ؟ 

 

حدقت في البنك اليمني للإنشاء والتعمير ، ورصيف الكتب القديمة ، وخيمة بيضاء كتب عليها" خيمة الحوار الوطني " ، مررت على سور المتحف الوطني وهو محاط بالعكفة ، كذلك كان حال التوجيه المعنوي : عكفة وأعلام خضراء وضجيج الزوامل تملأ المكان ..

 

كانت النقطة العكفية عند فرزة شعوب ،تقسم التحرير نصفين : أطفال مدججون بالأسلحة، وعسكر ببزاتهم الرسمية ، وبعضهم باللباس القبائلي "الزنة والجنبية والبندق ويعتليه الجاكيت العسكري للحرس الجمهوري " تاركين التفتيش والأوامر للأطفال .. نعم أطفال مادون الخامسة عشرة يعتلون قيادة التفتيش بزهو منفلت أمام الآباء ، وهم يرقبون منظر مليشياتهم "الزغيرة" بأسنانها اللبنية ، تفتش ذاك ، وتنهر ذاك ، وتركن الآخر في الطرف ذاك ،جلبة السيارات والشمس الحارقة تبتلع طاقات الغضب المنتظرة للعبور أمام العنجهية المفرطة ..الناس صاغرون ،، مبلودون ، مغيبون ، مسفوخون بلطمة : الكهف يستبيح وجه المدينة .. ويتغوط عليها بصلف عدمي ، أهوج ممجوج ، وكأن المليشيات الطفلية قد صرفت لها "جعالة " من نوع آخر ، ليست الجعالة التي يعرفونها .. كيف تبدل حلوى"الزخم" ، إلى" بردقان" ، والمليم والشكليت إلى قرون رصاص ، ونعناع "أبوعودي " والإيسكريم إلى جرامل وأوالي ، وكرة الشراب والكرة الجلدية إلى جعب وقنابل .. إنها المليشيا /العصابة إذ تقذف بكل مخرجاتها في وجوهنا ، وتعلم وجوه أطفالنا بلونها الدموي المستبيح لكل شيء ..

 

نعم انها " جعالة "صالح لشعبه العظيم المعلوم ب"الوحدة أو الموت" ، إكراميته للشعب بعبد الملك "الجعالة" الدموية الدامية التي حولت المانح واللعبة / الجعالة : عبدالملك "حادي الموت " يهرس فيها كل من يقف في طريقها ويقول : لا ، نعم "فتة" شعب في مقلاتهماالنارية ( الحوث-فاشي) مرشوشة بدم المدن ، وأشلاء مواطنيها ، تزينها قحطة/الحبة السوداء المنفوشة في كل تراب اليمن والجوار ..
ستقولون هل التقطت الصور في ذلك اليوم الأسود ؟ 

 

لا ، لم أصور .. خفت ..نعم خفت على الكاميرا ، على نفسي ، من أي طفل صغير يعمر بندقيته ويقتل داعشية كافرة غير محجبة ..كما حدث بعد ذلك من انتهاكات المليشيا للنساء والرجال .. نعم خفت .. والبقية تفاصيل !
فمبروك عليكم خوفي الذي قاومته طول عمري من 1965 بعد ثورة26 سبتمبر.. ( بالرغم من أني لم ألاقي أية أذية منهم عند عبوري في ذلك اليوم )
سحبت قدمي في اتجاه القيادة بعد "غاغة" النقاط المليشاوية .. رأيت المشهد الأثير عند محلات الخياطة العسكرية والمدنية الذين يصطفون من شارع التحرير إلى شارع القيادة : أطفال وشباب ك"أنهم الشعث " على قول " شاعر المليشيا " كانوا يزدحمون في المحلات يقايسون ويفصلون البدلات الجديدة ، بما فيهم البدلات العسكرية " زي الحرس الجمهوري على وجه التحديد" ، وحتى اللحظة لا أعرف سر اختيارهم الأقمشة المخططة والكاروهات للبدلات فيخرجون مزهوون .. كانوا سيكونون أجمل .. بدون الأوالي والجرامل بملصق الصرخة .. 

 

كانت العودة من نفس الشارع , في اتجاه المتحف والتوجيه المعنوى ، والباب الموارب لمحل الشطفة ، نقاط المليشيا المختلطة بالنقاط العسكرية الرسمية .. الحراسة الرسمية بانكساراتها جاثمة على رصيف أو كراسي مهلهلة أمام المؤسسات ، والعكفة وحدها هي من تشتغل وتفتش ، وتصرخ ليس فقط بالزامل .. بل وبأشياء أخرى .. 

 

تذكرت في ذلك اليوم الأسود ، أبي عبده عثمان ، وعمي علي الحجري ، والشلو ، وطاهر ، ومصلح الحنحنة ، وعمي حسين الحوت ، والحاج شعرة ، ونعمان ،وو..الخ في حوض الأشراف وسوق الصميل بتعز ، وهم يكسون أولادهم وبناتهم بملابس جديدة احتفاء بعيد الثورة : " اروى بنت الجمهورية " ..

 

تذكرت زنتي المكشكشة بالتل الذهبي ، وتذكرت بنطلوني البني "أبو دعسة "، والفراتك الفضية والمُذهبة ، والشوالية " البليزقات" الهندية الزاهية بالألوان ..والخضاب والحناء ، والجزمة "الكوع" ، تذكرت عسب العيد ، والجعالة : نعنع أبو حامورا وبسكوت الميزان ، واللانجوس ، ونزولنا إلى الشارع في ذكرى الجمهورية ، ونحن نلعب بهجة بنت الجمهورية : 

عبدالله السلال 
نزل يصلي 
بالكندرة السوداء 
والشال بني .. 
**

هيييييييييييه : جمهورية واللي قهر يفتض من الشقيقين .. أروى بعد ما كبرت ، وأصبحت "عمتي تقوى ، وأم العضاريط .. العضاريط التواقة لمشروع الدولة المدنية الحديثة / عضاريط السلام ، والمحبة والتعايش ، والفن والأنس والجمال لليمن ولكل العالم .. عضاريط العالم قريتي ، واليمن البلد مفتوح على العلوم والثقافات والأديان والمعتقدات .. بلد المسجد ، والكنيسة والكنيس والمعبد ، والفضاء المفتوح .. بلد حي على العلم ولا حي على السلاح ..
**

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص