مروان الغفوري
مروان الغفوري
عارنا في الرياض 1-2


لا يوجد مدخل درامي للكتابة عن عارنا في الرياض أفضل من هذا:

جلبة في الداخل، وأصوات. يُفتح باب الغرفة من الخارج ويغادر مجموعة من الرجال في ملابس بيضاء. يقول آخر رجل غادر العمارة الأنيقة "يريد أن يرهن رقابنا وأبناءنا في يد سارق"، فيهز الرجل الأول رأسه يمنة ويسرة. بعد ساعة يغادر الرجل العسكري الكبير، يُرمز إليه بالأحرف"م.ق.د.ش.ي"، ذلك المبنى ولا تبدو عليه علامات قلق أو خيبة. بعد منتصف النهار يلتقي مجموعة مختلطة من العسكريين اليمنيين والعرب، ويقص عليهم ما جرى على طريقته.

عشية ذلك اليوم يهاتف رجلٌ من رداع، في الثانية والأربعين من عمره، أحد الرجال الذين حضروا آخر لقاء مع الجنرال العسكري "م.ق.د.ش.ي". يسمع الرجل من البيضاء هذه الكلمات فيصاب لسانه بالعجز التام "اشترط علينا القيسي، نحن نعرِف من هو القيسي. نعرفه أم لا؟ نعرفه؟ هل أنا مخطئ؟ نحن نعرفه، البيضاء كلها تعرفه. هاه".

يرد الرجل من رداع "أيوه، أيوه. أكمل".

"اشترط علينا آخرين من الذين يبيعون البشر كالماعِز. وإذا لم نقبل بقيادتهم فلن يحدث شيء."

"ماذا تريد أن تقول؟ لن يتشكّل اللواء العسكري في البيضاء؟ لا فائدة؟"

"والله لا أقول لك إلا خيراً. مع هؤلاء الناس لن يتشكل شيء، أي شيء".

.. راح الجنرال يتجوّل تلك الليلة في مول تجاري في الرياض برفقة مقرّبين منه. حدّثهم عن قصره المهيب الذي فجرته العصابات. مازحه أحدهم ب"الرئيس القادم" وعلّق بتواضع جم معروف عنه "ربنا كريم"، وقال إنه سيفعل ما بوسعه لنجدة اليمن. قاطعه أحد الرجال، وله أنف معقوف مثل أنوف اليهود "ماذا حدث بشأن اللواء العسكري في البيضاء؟" فتجاهله الجنرال. فكّر ذو الأنف المعقوف بإعادة السؤال لكن الجنرال كان قد ضغط على الزر الأخضر وراح يرُد على مكالمة. وذهب يهز رأسه، ويردد "لا حول ولا قوّة إلا بالله، مصيبة يا أخي. هؤلاء مصيبة". استمر الرجل على الطرف الآخر، ويبدو أنه كان سياسيّاً، يقص على الجنرال المعلومات التي وصلته من فيللا رئيس الجمهورية: "يراوغ، لا يريد مساندة جوّاس. قال لأصحابه إن انتصار جوّاس سيلحق العار برجال أبين. سيقولون هرب رجال أبين وانتصرت ردفان والضالع. راوغ أيضاً في دعم شبوة، واحتال على التحالف. قرأت الرسائل التي كان يرسلها باحاج قبل استشهاده إلى تلفون أحد الإخوة. كان يبكي، ويستنجد. كان مكروباً. لا يعرف الرئيس ما الذي يجري على الأرض. سيطر عليه شاب مهووس وانتهازي".

ذهب الجنرال م.ق.د.ش.ي. يهزّ رأسه ويحوقِل. لم يجرؤ على قول كلمات كثيرة فقد منحه الرئيس منصباً رفيعاً. ظهيرة اليوم التالي كان يجلس بين يدي الرئيس وتحدثا كثيراً وضحكا لأتفه الأسباب. تمهّل الرئيس لثوان بعد مغادرة الجنرال مكتبه، ثم ابتسم للرجل الثالث الذي كان حاضراً اللقاء وغمغم "هذا الرجل يحب الفلوس لكنه وطني". "فعلاً" قال الرجل الثالث. أضاف "سمعت هذا قبل أيام من رفاقه. لا يمكنه أن يبيع الوطن. لكنه، للأمانة، يحب الفلوس".


مرّت ليلتان على ذلك اللقاء، وحدث ما يشبه الصدفة. التقت مجموعة كبيرة من الساسة والعسكريين في الفيللا التي يقطنها شخص سعودي مبجّل. تحدثوا عن الرياض، وعن عبقرية الملك عبد العزيز. وكان بين الحاضرين رجل يعرف الكثير عن "عاصفة الصحراء" قبل ربع قرن. ذهب يغرق الجلسة بالمعلومات وتفاجأوا جميعاً وهم يتعرفون على دور "الجنرال عسيري" في تلك العاصفة. قال الرجل المبجّل "كان لا يزال صغيراً، عائداً لتوّه من الأكاديمية العسكرية من فرنسا. الأكاديمية التي خرّجت نابليون. التحق مباشرة بأعظم حرب". علّق سياسي يمنيّ نسي أن يزيل قشرة طماطم صغيرة علقت بين أسنانه منذ الصباح "فما بالك بهذه الحرب؟"

وهزّ المُبَجّل رأسه راضياً.


إلى اليسار من المبجّل السعودي كان رجل يقال له أبو راشد يتصفح الفيس بوك على موبايله ويساهم في الجلسة بضحكة. هكذا من آن لآخر. رفع أبو راشد يده وقال "اسمعوا اسمعوا. خبر عاجل من وكالة نبض. المقاومة الشعبية تحكم سيطرتها على سناح والمواقع إلى الشرق منها". صاح المبجّل "الله أكبر" ثم التفت إلى "أبو راشد" وسأله "في أي محافظة تقع سناح" فتدخل جنرال يمني قائلاً" في شبوة. أظنها بين عتق وبيحان" لكن سياسيّاً جنوبيّاً تنبه للخطأ الفادح وتدارك الأمر "سناح في الجنوب، إما في لحج أو في أبين." وقال سياسي شمالي اشترك في حوار الرياض "أو في الضالع" فقال السياسي الجنوبي "بالفعل، أو في الضالع".

تلقى أحد الحاضرين رسالة من تلفون بن مبارك. أبلغه الأخير رغبة الرئيس بلقاء رجال من الجوف وبكيل. وعندما التقوا معاً في فيللا الرئيس عبده ربه منصور هادي راحوا يتبادلون النكات والتعليقات عن هزيمة العكيمي وأبكر والإصلاح في الجوف، وانفجر هادي ضاحكاً. قال بن مبارك وهو يحاول أن يوقف ضحكته "الر.. الرئيس لم يضحك هذه الضحكة منذ الانقلاب" وهزّ هادي رأسه للأعلى والأسفل وهو يمسح دمعتيه. ويبدو أن رجلاً بكيلياً، لم نتعرّف على اسمه، استفزّه المشهد فدحرج بعض الكلمات الهادئة من قبيل "لكن الجوف ضاعت على الدولة وليس على الحسن أبكر. خسرنا الجوف ثاني أكبر محافظة في اليمن". دون أن ينظر إليه، فقط أشاح بيده اليسرى ساخراً قال هادي "باترجع، كله بايرجع. الحوثيين جالسين يدوروا الإصلاحين وخربوا علينا كل حاجة وهم يدوروا الإصلاحيين. يا أخي يشلوهم بس لا يخربوا البَلاد. إيش صلحنا بهم إحنه"؟


انضم إلى الوفد القبلي وزير الخارجية ياسين. جلس إلى جوار هادي، وكان المكان شاغراً. تجاهل الموجودين وقال بتوتّر ملحوظ "الدولة ترفض ما قاله بحّاح في مؤتمره الصحفي. سخِر من مبادرة علي ناصر محمّد بطريقة لم تكن موفقة". وعلّق هادي "الدولة ترفض. الدولة ترفضه. الدولة دولة مش مؤتمرات". فهم رئيس الوفد رغبة هادي بالاختلاء بوزير خارجيته فغادروا مسرورين. اعتدل ياسين في جلسته وتحدث إلى رئيسه "اتصلت بمحمد علي أحمد. أخبرته بموقفك من بحّاح. قلتُ له إن الرئيس لا يأخذ تصريحات بحاح على محمل الجد، فهو شخص بلا خبرة ويحتمل أنه لا يزال على تواصل مع عفّاش فهو من رجاله. قلتُ له إن الدولة تقدر مبادرات علي ناصر محمد".


صبيحة اليوم التالي قال علي ناصر محمد لوسيلة إعلامية عربية إن عبده ربه منصور هادي لم يعد يملك أي شرعية.


حزم رجل سياسي حقيبته وقرّر مغادرة الرياض. كان قد اقترب من هادي وهاله كل شيء. كل الأشياء هالته. في الليلة التي سبقت سفره وجد نفسه في سهرة اعتيادية يتوسّطها سياسي سعودي يحاول فهم ما الذي يجري لليمنيين في الرياض. تدخّل ذلك السياسي اليمني، الذي سيسافر غداً، وكشف الأوراق كلها:

"بعد انتهاء عاصفة الحزم قال التحالف العربي إن الدور على المقاومة الشعبية، وأن القوة الجوّية ستكون تحت تصرف القيادة اليمنية طبقاً لاحتياجها وللموقف الاستراتيجي على الأرض. أوقف هادي التدخّل في تعِز قائلاً إن تحريرها ليس هدفاً استراتيجياً. رفض التدخل في المكلا بعد سيطرة القاعدة عليها. قال إنها قاعدة علي محسن الأحمر، وأن الأخير سيخرجها بمعرفته. انسحب الجيش والأمن من المكلا وأطلقوا القاعدة والمسجونين، ونحن نعرف من يفعل ذلك ومن يقدر عليه. لكن هادي قال إن محسن وراء ما جرى. أسقط الدولة في محاولته للتخلص من علي محسن، والآن سيسقط التحالف العربي وهو يتخيّل شبح محسن".

قاطعه رجل قريب من الجنرال محسن "لا أعتقد أن الرئيس هادي قال ذلك. هناك محاولات للإيقاع بين الرجلين، وهي محاولات مغرضة وهدفها معروف واعتجد أن الرجلين يعرفان تلك المؤامرات جيداً".

سادت أجواء التوتر بين الموجودين. اشتبك سياسي مقرّب من رياض ياسين مع شخصية قبلية مقرّبة من الصايدي. قال الأول "غالبية الشماليين خونة، ولا يمكن أن تسلم لهم وزارة الخارجية. يؤيدون الشرعية في الإعلام ويتحالفون مع عفاش في السر". ونهره الشيخ القبلي: "عيب هذا الكلام وأنت داري من اللي سلم صنعاء وعمران وشبوة لعفاش والحوثيين". قال الجنوبي "عندنا خونة، طبعاً. خائن من الجنوب مقابل عشرين من الشمال". قال القبيلي وهو يحرك إليتيه كما لو أنه يريد التحكم بشيء ما:

"يا رجال الخائن حقكم يبيع عشرين خائن من حقنا". وبدا أن الأمور أفلتت.

حاول السياسي السعودي السيطرة على المشهد. نجح بصعوبة. انسحب رجلان أو ثلاثة، ولا يبدو أن انسحابهم كان له علاقة بما دار. في الأخير قال السياسي السعودي للحاضرين: دعوني أرتب قائمة أعداء هادي بحسب الأهمية:

"بحّاح، ثم علي محسن، ثم الإصلاح، ثم علي صالح، ثم علي ناصر، ثم الحوثيين. كل ما يصدر عن هادي. نجلس إليه وبالكاد نسمع كلاماً عن الحوثيين. حتى إنه لا يعرف، حتى الساعة، على ماذا يسيطر الحوثيون. أخبرني أكثر من دبلوماسي عربي، قالوا إن هادي لا يحب فتح هذه السيرة، وهو يعتقد أنّ الخليجيين سيعيدون اليمن من الانقلابيين"


غادر سياسي جنوبي الرياض مؤخراً، واتّجه إلى المدينة. وفي الأسبوع الأول من رمضان زار مكّة. بعد فراغه من الطواف سأله مرافقه بشرود كما لو كان يبحث عن تكذيب: "عارف الزوكا عنده ميليشيات في شبوة؟" . أجاب السياسي، وهو على معرفة واسعة بشبوة وبفريق هادي:

"لا، ليست ميليشيا. لديه مخرّبون. وقد أنزلت طائرات التحالف أكثر من مرّة أسلحة إلى المناطق القريبة منهم. علي الأحمدي، بتوجيه من هادي، يجري تغييرات على الإحداثيات التي تصله من المقاومة في شبوة. قال عفّاش إن السلاح يصل إليهم، وهو يقصد شبوة. كان محقّاً للأسف. بعد مقتل باحاج في شبوة ارتاح هادي وعيّن بدلاً عنه رجلاً طاعناً وضعيفاً لا يجيد سوى المداعة. رجل لا يترك المداعة. رفض كل التوصيات التي قدمناها نحن العارفين بشبوة".

سأله المرافق: "ولكن لماذا يفعلون ذلك؟"

فرد السياسي الجنوبي بلا اكتراث، بنبرة رجل خسر الحرب كلها ولم يعُد يأبه للخيول الجريحة:

"التاريخ سيكشف كل شيء. صرنا مثل سوق ماشية، وهم تجّار. نحن سوق مفتوح لكل واحد منّا سعر".

تمهّل السياسي الجنوبي وابتلع ريقه. أصلح لباس الإحرام بكفّه اليسرى بينما كان يشير بسبابته اليمنى إلى صدر مرافقه:

"أنت لك سعر، وأنا لي سعر، وهم أيضاً لهم سعر".

ارتجفت ساقا مرافقه، وكتب على الفور رسالة واتس أب إلى أحد مشائخ شبوة، تربط الرجلين قرابة ما:

"باعوكم وتاجروا بدمكم، ارجعوا بيوتكم أحسن. لا حول ولا قوّة".


* عارنا في الرياض 2

تبادل عسكريون سعوديون النظر، وفتح رجل قصير فمَه. كانت الساعة تقترب من الخامسة والنصف مساء، والحرارة في الخارج قد هبطت على نحو ملحوظ. “احسب الكشفين يا بو زاهر”، وهز أبو زاهر كتفيه بلا مبالاة. صباح اليوم التالي استدعى مسؤولون سعوديون جنرالاً يمنيٌاً رفيعاً يرمز إليه بالحرف “م.ق.د.ش.ي”. وقف الجنرال أمامهم في غرفة واسعة ومؤثثة على نحو إمبراطوري. اتخذ له مقعداً. “إحم” غمغم ضابط رفيع ببذلة عسكرية داكنة، ومسح على أرنبة أنفه. “حصلنا على كشفين، واحد من الشدادي والآخر من الحليلي. إجمالي عدد الجنود ٤٦ ألف، وهم يطالبون برواتب لهذا العدد من الجنود. لا مانع لدى المملكة، كما تعلم. لكن ذلك سيعني أنه لم تعد ثمة حاجة لتجنيد أفراد جدد. ونحن ننتظر أن يحسم هذا الجيش الضخم الأمور بسرعة”. مساء ذلك اليوم كان الجنرال م.ق.د.ش.ي. يجري اتصالاً مع رجل في مأرب، وقال غاضباً “أنت لديك عدد ٧٠٠ فرد فقط، ولدى الحليلي ٢٠٠٠. وهذا كل ما لدينا. نحن في ورطة الآن”. وسمع الرجل الآخر يردد “والله ورطة، يا فندم. كلمت الحليلي؟”. ورد عليه الجنرال م.ق.د.ش.ي “نعم، الحليلي يجيد لعبته. أخبرهم صراحة إنه لن يتسلم سوى المبلغ الذي طلبه، رواتب ٢٥ ألفاً. ما لم فسيعود إلى بيته ويترك حضرموت للقاعدة. اعتقد أنهم سيرضخون له”.

بدا الجنرال م.ق.د.ش.ي مرتبكاً ومكروباً. ضربتان متلاحقتان في وقت قصير، هذا أكثر من قدرته على الاحتمال. فقد استدعاه عسكريون سعوديون قبل ذلك بأقل من أسبوع واعتذروا له عن صراحتهم مقدماً. سألوه عن ال “عشرة ملايين دولار” فقال إنها لا تكفي لتشكيل كتيبة صغيرة. ورد عليه ضابط سعودي خجول، ذو زبيبة صغيرة في الجبين، بالقول “حتى قرية صغيرة. حرر بالعشرة ملايين حتى قرية”. وراح الجنرال م.ق.د.ش.ي يغمغم، ويقول كلاماً غير مفهوم.

تناهت الحادثتان إلى سمع فيللا الرئيس هادي وفريقه. قال هادي لسياسي جنوبي ذي صلعة ويتجاوز السبعين من العمر “كنت أعلم أنه من رجال علي محسن، لكنه في الآونة الأخيرة كان يشتم علي محسن أمامي بصورة متكررة. لقد ضحك علي كما فعل اللواء محمد الحاوري. كان يشتم عفاش فعينته قائداً للمنطقة السادسة”. عاتبه السياسي الجنوبي قائلاً إنه لا يمكن الركون للشماليين. إلى جوار الرجلين كان هنالك سياسي شاب مقرب من هادي. استعمل كلمات مرتبة وهادئة وذهب يشرح ما أسماه “المأزق”: الرئيس جنوبي، نائب الرئيس جنوبي، رئيس الوزراء جنوبي، وزير الخارجية جنوبي، وزير الدفاع جنوبي. كنا مضطريين لتعيين شمالي في منصب رئيس الأركان”. هز الكهل السياسي الحليق رأسه محاولاً مقاطعة الشاب “معروف، معروف. هو رئيس أركان مأرب، الجنوب يدير نفسه بنفسه” وضحك الرئيس هادي. علق السياسي الشاب وهو يحني ظهره ويضع كفاً على ركبته اليمنى “الرئيس أعجبته كلمة رئيس أركان مأرب” وضحكوا هذه المرة جميعاً. كان ذلك السياسي الشاب الشخص الوحيد الذي يتمتع بشاربٍ بينهم الثلاثة.

في الأيام الموازية ذهب سياسي يمني يطلب لقاء مسؤول سعودي رفيع. كان ملحاحاً فحصل على موعد قريب. استمع المسؤول السعودي للسياسي اليمني، وسرعان ما وضع يده على جبينه. “أنت متأكد من هذه المعلومات” تساءل، فرد عليه السياسي اليمني “نعم، كل التأكيد. حصلت عليها من مسؤول أميركي قبل أيام. هل فهمت لماذا قال عفاش إن هادي سيهرب من الرياض؟”

وراح يقص:
“لماذا يبدو هادي متشثباً بالسلطة، بكل السلطة” سألني المسؤول الأميركي، وبدا سؤاله غريباً بعض الشيء. أضاف المسؤول اليمني: قلتُ له هات ما عندك فأخبرني بقصة نادرة إلى حد ما. قال إن هادي طلب لجوءًا إلى أميركا عقب وصوله إلى عُمان. ماطل الأميركيون ولم يمكث الرجل في عمان سوى ساعات. وعندما وصل إلى السعودية طلب فيزا إلى أميركا، عبر وسطاء، فماطل الأميركيون. وفي عدن، عقب هروبه من صنعاء، ألح كثيراً بطلب الفيزا وأبلغ الأميريكيين رغبته في الخلود إلى الراحة لكن الأحداث كانت أسرع من ترتيباته. إنه يشعر بأنه أسير في السعودية ولا تبدو الأحداث في اليمن تعنيه إلى حد كبير. لقد انتهى كل شيء بالنسبة لهادي، وهو يريد الفرار. هذا كل ما يفكر به حالياً. وإذ لم ينجح في العبور إلى ميركا فقد أرسل مساعده الشاب إلى هناك. قد يفاجئ الجميع، وعلى الأخص السعوديين”.
استمع المسؤول السعودي إلى تلك الحكاية بعناية فائقة وأسقط في يده. “يا له من فخ” همهم، وألقى بظهره على كرسيه الدوار، وتشاغل السياسي اليمني بشرب الماء.

غادر السياسي اليمني المكان وتلقى اتصالاً. على الطرف الآخر ذهب رجل يرغي عن ما أسماه “رحلة القبائل” إلى الرياض. كان يضرب له مثالاً “تخيل أن السعودية كانت منكوبة، وتدخلت اليمن لإنقاذها، ولكن السعوديين في صنعاء عملوا كمرتزقة ولم يستطيعوا أن يحركوا قرية واحدة، كيف ستشعر أنت؟” كان الرجل قد سمع هذه المقاربات على نحو متكرر في الأيام الفائتة الأمر الذي دفعه إلى مقاطعة رفيقه، وهو شيخ لا نعرف على وجه الدقة إلى أي منطقة ينتمي. “ما الجديد الآن؟” سأله، فرد الرجل الآخر: السعوديون صاروا يحتقروننا ولولا سمعتهم أمام العالم لطردونا في طائرات شحن كما يفعلون مع المجهولين. نحن لا نستحق الاحترام”. وقال له السياسي الخارج للتو من لقاء خاص: ناهي، اللي فيني مكفيني.
كل الأوراق مكشوفة في الرياض. يعرف هادي ما الذي يجري في الخارج، ويعرف الآخرون ما يجري في فيللا هادي. اقترح سياسي جنوبي أقرَع على هادي: لنوزع الأدوار، على الجنوبيين أن يوزعوا الأدوار فيما بينهم، البعض ينادي بالوحدة، والبعض بالاستقلال، والبعض بالفيدرالية. عندما سمع الشاب القريب من هادي، يرمز إليه بالأحر “ب.ن.م.ب.ا.ر.ك” الفكرة في غياب صاحبها وصف الفكرة بالغباء وقال لهادي “دع الأمر لي”. ما إن سمع هادي فكرة الشاب حتى ابتسم وقال مازحاً “وعادهم يلوموني ليش أثق فيك”. تنفس هادي بعمق وسمح لعظام صدره أن تتحرك إلى الأمام قليلاً، وبدا له كل شيء على ما يُرام. كل شيء.

في أول لقاء، ربما جرى عن طريق الصدفة، للمُساعد الشاب مع مجموعة من السياسيين اليمنيين قال لهم “الحقوا هادي، قده أكبر انفصالي”. ولم تكن تلك الكلمة لتمر بهدوء. بعد أقل من ٧٢ ساعة قال هادي لمساعده الشاب “فكرتك ذكية، قدهم كلهم ما ذلحين يتصلوا بي ويجاملوني ويقولوا لي فخامة الرئيس من جديد” وضحك الرجلان، وانفرد الرئيس بجملة من تلك الكلمات التي لا تنشرها الصحف. استطاع الشاب ابتزاز ساسة الرياض، وكانت مناورة مفاجئة أكسبت هادي بعض الوقت.

يعيش هادي حالياً كرئيس للجالية اليمنية في السعودية. تبدو أخبار المقاومة الشعبية في اليمن بالنسبة لهادي كما لو أنها تجري في بلد يقع بالجوار. لم يصدر من كتبه حتى الآن بيان واحد، أو بضعة كلمات، عن المقاومة الشعبية. لم يقل حتى "نحن معكم" أو: تماسكوا. كمشجع مراهق يتمنى أن ينتهي به العمر قبل أن يرى فريق خصمه يكسب جولة. وبالنسبة لهادي فكل الذين يقفون إلى جواره خصوم. قسم المقاومة الشعبية على كل اليمن إلى "فرق خصوم".

وفي مرة ألمح أمامه أحد الرجال بجملة خطيرة اهتزت لها ركبتا الرئيس الكهل. بصوت واطئ ذكره أحد رجاله بتلك الأيام. "هل تتذكر كيف كان أحمد علي يعطي الطيران السعودي إحداثيات الحوثيين، وبين كل قائمة أهداف حوثية كان يدس هدفاً يخص علي محسن الأحمر". ابتلع هادي ريقه وشرد قليلاً، ثم قال لنفسه "كم هي الرياض كبيرة وواسعة". وحاول أن يبعد نفسه عن تلك الفكرة الخطيرة، وراح يتخيل صحراء الرياض التي قامت عليها كل تلك الدنيا الساحرة.

خارج قصر هادي انقسم اليمنيون السعاودة إلى جزر، وكانتونات. تنحى الجنرال علي محسن بجماعته، وانفصل هادي بجماعته. وبين الجماعتين الكبيرتين يراوح الساسة والعسكريون اليمنيون كخراف بني إسرائيل الضالة. كل الجسور بين الجماعات هشة، ومبنية من الكلمات الفارغة. استطاعت مجموعة أن تظفر بهادي، وعزلته ليس عن الآخرين بل عن البلد كلياً. لم يخرج إلى الناس بخطاب، ولم يقل شيئاً. استطاع أن يتخلص من الأقوياء، وأن يمنع ظهورهم حوله. هادي يرى أن الطريقة الوحيدة للعمل هي أن يكون محاطاً بالمحتاجين، والخائفين. أبلغ محمد مارم، مدير مكتبه الأخير، بأنه من الأفضل أن يبقى في عدن. وما إن التقى هادي بالشاب الذي رمزنا إليه بالأحرف "ب.ن.م.ب.ا.ر.ك" حتى صارت الرئاسة في حوزة الأخير من جديد. لكن الترتيبات تغيرت، فجاء الرجل بشقيقه، مغترب في السعودية، وسلمه شؤون رئيس الجمهورية وتفرغ هو للعب دور وزير الخارجية. لقد صارت شؤون الرئاسة بين يدي مغترب في السعودية، حصل عليها من شقيقه. وشقيقه لم يعد ذلك المنصب يغويه. فهو رجل "ذو نفس تواقة".

وزير الخارجية ياسين رجل طيب، يشعر بآلام مدينته ولا يتخيل ما الذي يجري في العالم. سبق أن نصحه مسؤول قطري "اسكت، اسكت، هذه نصيحتي لك. أنت تعمل كمراسل تلفزيوني. وزير الخارجية أقل الناس كلاماً". وتألم رياض وسالت حبة عرق على فقراته كلها. ونهره مسؤول سعودي عندما جلس ياسين إليه وطلب منه تمرير فكرة استفتاء على استقلال الجنوب. قال المسؤول السعودي وهو يحاول أن يستوعب ما سمعه:

" أين هو الجنوب الآن، أي جنوب تقصد، الحوثي وصالح يحرقون الجنوب، أي استفتاء تقصد الآن. نحن نواجههم بغطاء أممي تحت لافتة الحفاظ على على وحدة اليمن واستقلاله. أتعلم ما معنى كلامك؟ أن ننسحب نحن ونترككم في مواجهة الحوثيين وإيران وصالح. أنت وفريقك تحاولون تجريدنا من الغطاء الشرعي الوحيد".

وعاد ياسين منكسراً. استغل هادي الموقف وراح يطعن في رجله أمام مجموعة أكثر قرباً "أنا ما أحبش رياض ياسين، هذا مفروض علي من السعودية لأنه من جماعة صاحبهم عبد الله الأصنج، وأنا متحمله بضغط سعودي".

ولكن لماذا فعل هادي ذلك؟ حتى بوزير خارجيته؟ لا يدري أحد. حتى هادي ربما لا يدري.
وتلك حكاية أخرى..

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص