السعودية وحدها من سيدفع ثمن العدوان على اليمن

كما تم إيقاع صدام حسين في فخ دخول الكويت ليتم التخلص من نظامه ومن الدولة العراقية بكل مؤسساتها تم الإيقاع بالمملكة العربية السعودية في فخ التورط في عدوان على اليمن بهدف استنزافها مالياً وعسكرياً واشعال فتيل حرب إقليمية جديدة في المنطقة خدمة لشركات السلاح الأجنبية ولبقاء الدولة الصهيونية التي لن تعيش الا اذا استمرت حروب العرب الداخلية وفتنهم الطائفية، هذا اذا لم يكن المخطط هو تقسيم المملكة العربية السعودية على أسس طائفية كما يجري في العراق ويُسعى له في سوريا.
ستكشف الأيام القليلة القادمة أن التدخل السعودي في اليمن ورطة وحرب استنزاف طويلة يصعب على المملكة تحملها، ومن يعتقد أن الضربات الجوية ستُغير المعادلة على الأرض واهم، إضافة الى أن وجود تحالف مع بعض الدول العربية والإسلامية لا يغطي على حقيقة أن المعركة سعودية بامتياز تسعى من خلالها المملكة لاستعادة دورها في اليمن الذي خسرته بسبب سياستها الخاطئة واعتمادها على قوى وشخصيات فاسدة واجرامية لفظها الشعب في السنوات الأخيرة وعجزت عن مواجهة المتغيرات والتأقلم مع أوضاع ما بعد الربيع العربي.
كتبت سلسلة مقالات خلال الأشهر الأخيرة عن العلاقات اليمنية السعودية، والسعودية مع أنصار الله “الحوثيين” بشكل خاص، ستجدونها في “مدونة علي البخيتي”، وتطرقت فيها الى أهمية وجود علاقات إيجابية بين الطرفين، لأن استمرار سياسة عزل الحوثيين وعدم تقبل وجودهم لن تؤدي الى مزيد من التقارب بينهم وبين إيران ومع كل خصوم السعودية في المنطقة وهذا يؤسس لصراع إقليمي داخل اليمن، وللأسف فقد بدأ الصراع بالعدوان السعودي الأخير.
العدوان أدى حتى الآن الى خسائر فادحة في الأرواح -وبالأخص في صفوف المدنيين- والممتلكات، وكلما زادت الخسائر زادت نقمة الشعب اليمني على السعودية لوحدها بغض النظر عن الدول التي تشارك في العدوان، وبالتالي فان الانتقام سيتركز عليها لأنها رأس الحربة فيه والوحيدة الملاصقة جغرافياً لليمن من بين كل دول العدوان.
تتركز الغارات على مواقع الجيش والأمن اليمني ولا صحة لاستهداف مواقع عسكرية للحوثيين، لأنه لا يوجد لديمهم مواقع ثابتة من الأساس، فهم مجاميع مقاتلة منتشرة في ربوع اليمن ويعيشون في بيوتهم ويتجمعون عند تنفيذ عمليات معينة في مجموعات عنقودية صغيرة يصعب رصد تحركاتها، وبالتالي لا يمكن القضاء عليهم الا اذا تم دك كل المنازل والبيوت، وحتى اذا حصل ذلك فان غالبية الضحايا سيكونون من المدنيين لأن المقاتلين غالباً لا يعيشون في البيوت وبالأخص في أوقات الحرب.
“العدوان العشري” –نسبة الى الدول العشر المشاركة فيه- سيؤدي الى انهاء ما تبقى من مؤسسات الدولة وبالأخص العسكرية والأمنية حيث يتم قصف البنية التحتية لها وكل معداتها ابتداء من الطائرات الى كل مخازن الأسلحة، وهذا سيعزز من وجود المجموعات والمليشيات المسلحة، ويتعارض تماماً مع الأهداف المعلنة له على اعتباره دعماً لشرعية الرئيس هادي -المنتهية ولايته-، فحتى هادي نفسه أسس له منذ سنوات مليشيات مسلحة ولم يعتمد على الأجهزة العسكرية والأمنية الرسمية وبالتالي هو من أسس للخروج على شرعية هذه المؤسسات ودورها.
هرب هادي مرتين، الأولى من صنعاء الى عدن، والأخيرة من عدن الى عمان وصولاً الى السعودية، ومنها الى مصر لحضور القمة العربية، وارتبط توقيت العدوان بهروب هادي، فقد تم إخفاء مكان تواجده حتى بدأ العدوان، لتبرير الاستجابة لطلبه بالتدخل على اعتباره طلب صادر عن رئيس لا يزال يحكم ويعيش في بلاده، مع أن العدوان بدأ بعد مغادرة هادي اليمن، وما سيثبت ذلك أنه لن يتمكن من العودة الى عدن بعد القمة وسيبقى لاجئ في السعودية.
لا يمكن أن تحسم الضربات الجوية الصراع، ولا يمكن اجتثاث مكون اجتماعي وسياسي مهم كالحوثيين يتجاوز نسبة المؤيدين له الـ30% من عدد السكان على أقل تقدير، ومن الصعوبة الدخول في معارك برية لأن تكلفتها ستكون عالية على أي دولة بحكم الطبيعة الجغرافية الجبلية الصعبة لليمن والتي فشلت في السيطرة عليها مختلف الجيوش من العثمانيين الى المصريين وغيرهم، وحتماً لن يبقى أنصار الله مكتوفي الأيدي ضد هذا العدوان، وبما أنه لا إمكانية لديهم لمواجهة الضربات الجوية سيلجؤون الى نقل المواجهات الى البر، ولا يوجد أمامهم الا الأراضي السعودية، وسيخوضون عبرها حرب عصابات ضد الجيش والأمن السعودي ومعركة استنزاف طويلة، واذا ما حصل توغل لمقاتلين من أنصار الله في الأراضي السعودية كما حصل في الحرب السادسة على الحوثيين في 2009م التي شارك فيها الجيش السعودي فان هذا سيشكل احراج للنظام السعودي ولجيشه، وقد يدفعه الى مزيد من القوة والبطش الذي سيدفع ثمنه المواطنين الأبرياء وليس المقاتلين الحوثيين، وهنا تكمن الكارثة المتمثلة في المأساة الإنسانية التي ستخلقها هذه الحرب وتكلفتها اللاحقة على السعودية عندما يتوجه غضب المجتمع للانتقام منها عبر الحدود الطويلة المشتركة.
كلها أيام أو أسابيع بالكثير وتشعر السعودية بالفخ الذي وقعت فيه، والتقدير الخاطئ للأحداث، إضافة الى أن التأييد العربي والدولي سيتراجع مع ظهور الفظاعات والجرائم التي سينتجها العدوان وبالأخص على المدنيين، وستجد السعودية نفسها لوحدها في إكمال المغامرة ودفع التكلفة من أمنها واستقرارها وهيبة النظام والجيش السعودي.
لا تزال هناك فرصة لإيجاد تسوية ما تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، لكنها لن تكون بحسب ما تريده المملكة -التي تعودت أن يكون لها الكلمة العليا في اليمن- وبالأخص اذا ما تمسكت بالرئيس هادي الذي من المستحيل القبول به تحت أي ظروف، ومن هنا عليها تجهيز نفسها ليمن ما بعد هادي الذي لا يمكن أن يعود على ظهر الطلعات الجوية السعودية وجثث الضحايا.
ومن هنا كذلك يجب على الأطراف السياسية اليمنية قبول عرض أن أنصار الله بتشكيل حكومة وحدة وطنية لإخراج البلد من أزمته الحالية وإخراج السعودية من ورطتها أيضاً.
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص