مواصلة التنكيل بالبردوني

 

من يصدق ان جماعتي القاعدة والحوثي، صارتا تستخدمان قصائد شاعر اليمن الأكبر عبد الله البردوني، وتوظفانها -لمصلحتهما -على نحو استغلالي فادح.

ذلك ان قصيدته الشهيرة "مصطفى"لطالما نشرتها وسائل إعلام مقربة من الجماعة الحوثية مرفقة بصورة زعيمها عبد الملك الحوثي، في حين لم يجد بيان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لنعي قائده ناصر الوحيشي -الذي قتل في يونيو قبل الماضي بطائرة من دون طيار-إلا قصيدة البردوني -المخطوطة على شاهدة قبره "احزان وإصرار"- لاختتام البيان.

لكن بعيداً عن هذه المفارقة المريرة، فقد مرت الذكرة الثامنة عشرة لرحيل البردوني هذا العام، خالية من أي فعالية رسمية أو خاصة للتذكير به.

وبينما يتجدد في ذكرى رحيل البردوني ذات السؤال ، كل عام، عن أعماله المختفية التي لم تخرج للضوء منذ وفاته في 30 أغسطس 99 م، يبقى الجديد في المسألة ما كشفه الصحفي سامي غالب رئيس تحرير جريدة النداء المستقلة المتوقفة عن الصدور عبر منشور بحائطه على الفيس بوك العام الماضي: "بعد ساعات من وفاته زار أحد مساعدي الرئيس صالح منزله وخرج حاملاً مسودات أعماله غير المنشورة حسبما أفاد بعض المقربين من أسرة البردوني".

كان سامي غالب أجرى حوارا مع البردوني قبل وفاته، كما شارك في حوار استثنائي معه نشرته السفير اللبنانية في منتصف التسعينيات، وهو يعتبر أن: "البلد الذي يقبل بالعبث بأعمال أعظم مبدعيه مقدر له أن يستنقع في الضحالات والفظاعات والتفاهات والسفالات."

لكن المعلومة التي اوردها كان قد قالها – ولو بسياق مختلف- عبد الاله القُدسي أحد جلساء وكتاب البردوني المعدودين في حوار صحفي قبل سنوات: "بعد مراسم الدفن عدتُ إلى منزل البردوني، لأجد الصندوق الخاص بأعمال البردوني مفتوحاً، وعندما سألتُ زوجة الراحل عن مصير تلك المخطوطات، أجابت بأنها سلمتها للدولة (..) وهذا ما لم نتأكد منه إلى اليوم، فإذا كانت المخطوطات تلك قد سُلمت فعلاً للدولة ، لماذا لم يتم طباعتها ونشرها؟"

وأما في تصريح خاص فقد أكد برلماني سابق على أن "مجلس النواب تلقى عقب وفاة البردوني معلومات تفيد ان قائدا عسكريا كبيراً قام باقتحام منزله في يوم وفاته وأستولى على كل ارثة الثقافي والفكري". وأضاف: "اثيرت القضية وتم مناقشتها حينها بشدة وصولاً الى التوصية بالتحقيق فيها، غير اننا سمعنا جعجعة ولم نر طحيناً ".

كذلك كان تردد أكثر من مرة عن لجنة رسمية من وزارة الثقافة واتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الذي يعد البردوني أبرز مؤسسييه مهمتها التحقيق في ارثه الضائع والعمل على نشره، إلا أن هذا المسعى تعثر قبل أن يبدأ لأسباب غامضة. وكأن هناك مساع عليا مهيمنة لا تريد لارث البردوني أن يرى النور بأي حال من الأحوال.

والثابت ان البردوني كان على صدام بائن مع نظام صالح بعد حرب 94م ، كما انه اكثر من مرة كان قد كشف بانه في كتابه الحديد (الجمهورية اليمنية) يتعرض بالتحليل والتقييم لمرحلة الوحدة والحرب، معتبراً ان "الوحدة بين غالب ومغلوب ليست وحدة".

ثم في حوار معه نشرته صحيفة (الأسبوع الأدبي) السورية المح البردوني عن ذات الكتاب الذي من المتوقع أنه من الأسباب الرئيسية للتنكيل به بعد رحيله، إلى أنه "رصد فيه الحساسيات القائمة واختلافات التركيب بين النظامين في الشمال والجنوب، ثم طمع الإنسان في شمالي اليمن في الاستيلاء وبعده عن الوحدة كمشاركة الوحدة".

والحال أن ما نعرفه بشكل مؤكد هو أن كتاباً سياسياً، وكتاباً فكرياً، وكتاباً نقدياً، وسيرة ذاتية، و رواية، وثلاثة دواوين شعرية، ما تزال رهن المجهول حتى اللحظة.

فبعد مضي كل هذه الفترة على وفاة شاعر اليمن ورائيها المتفرد، لا يعرف اليمنيون أن كانت مؤلفاته الأخيرة المختفية رهناً لصراعات الإرث والأسرة أو لإهمالهما مثلاً، أم أن شخصيات نافذة في نظام علي عبد الله صالح الذي كان في حالة خصومة معه، هي من تحوز وتستأثر عليها.

في الحقيقة، يتفاقم التخوف في أوساط محبي البردوني من أن اتلاف كتبه ومؤلفاته التي لم تنشر، أو ان يتم تحريفها بهدف تشويه مواقفه مثلاً ، إضافة إلى أن كتبه ودواوينه السابقة المعروفة أصلاً قد اختفت غالبيتها من الأسواق، فمنها ما نجده غالياً وبشكل نادر، بينما عرف عن البردوني أنه كان يدعم مؤلفاته ويطبع منها الكثير- ولذلك خصص قيمة جائزة العويس التي نالها عام 93 م لدعم مؤلفاته - ليحصل عليها الجمهور بسهولة تامة وبشكل رخيص جداً.

وأما في آخر حوار معه نشر بصحيفة رأي المحلية قال البردوني في السياق : " هناك محاولة لإصدار ديوانين أو حتى واحد منهما، فقد تغيرت الأحوال والأهوال حتى أشعرتني أنني لا أدري متى سيكون ذلك؟! (..) أعمل في ثمرة العمر كله- يتألف من ألف وثماني مئة صفحة، قضى البردوني في اعداده خمس سنوات-كتاب )الجديد والتـــجديد في الثــقافة اليمنية) من أول الحضارة المعينية إلى الآن ويشمل الشاعر والفنان والفقيه والخطيب واللغوي.. إلخ. والكتاب يناقش قضايا فكرية وفقهية وشرعية إلى جانب القضايا الإبداعية عموماً، فعلماء اليمن وفقهاؤها أجلاء ومطلعون على الثقافات لاسيما الثقافة الفيثاغورية، والمذكرات تسير بشكل جيد، أما رواية (العم ميمون) فهي مكتملة، لكن الطباعة في علم الله، فقد ضعفت مالياً وجسمياً ، وأنا مدين بحوالي 20.000 دولار تغطي الطباعة جزء منها والحوالات، ولكن مغامرة الطباعة في ظروفي هذه صعبة وما باليد حيلة".

على الأرجح ثمة فرمان بوليسي صدر من نظام علي عبد الله صالح بحق مؤلفات الأعمى الأكثر استبصاراً في التاريخ الثقافي اليمني لينالها هذا المصير المجحف.

لكن خلال الاعوام الاخيرة لطالما توالت النداءات من مثقفين يمنيين مستفسرة عن ارثه الضائع، و كالعادة لا أحد يستمع أو يضطلع بالمسئولية التاريخية والأخلاقية للكشف عن مصير هذا الإرث.

لقد عاش البردوني عصامياً وساخراً وحزيناً وصاحب موقف ورؤيا خارج مواقف الجماعات المغلقة والسلطات المأزومة والمخادعة ليرحل وقد خلد اسمه كواحد من أعظم شعراء العربية على الإطلاق.

ثم انه في بلد استنزفته الصراعات والتخندقات كاليمن، كان صوته بوصلة للوطنية اليمنية تماماً ، فهو الشاعر الاستثنائي، و المؤرخ الفذ، والمفكر السياسي والناقد الثقافي، صاحب الإجماع الذي اخلص على مدى أكثر من نصف قرن لقضايا المواطنة والدمقرطة والتحديث و قيام الدولة المدنية وتحرير الذات اليمنية.

بالتالي لا يملك المرء سوى ان يستحضره باعتزاز كبير في ذكرى وفاته.

وتذكيراً كان البردوني قد قال في حوار رائع معه قبل وفاته : " لم أعترف بالعمى في أي لحظة في حياتي ". وبالطبع نستطيع من خلال هذه العبارة الاصرارية الخلابة فهم قيمة ودلالة البردوني بشكل أوضح واشمل.

فهو الذي حمل على عاتقه منذ أربعينيات القرن الماضي قضايا العدالة والتحرر والتقدم.

وفيما كان البردوني أبرز المثقفين اليمنيين في العصر الحديث صاحب قدرة خصوصية على خلق وعي وطني فارق، استمر متعالياً على المناطقية والمذهبية والتخلف والطغيان بشكل اتساقي لا انفصام فيه.

بالتأكيد يبقى من الطبيعي الخلوص إلى ان ماتتعرض له مؤلفات البردوني المختفية من وأد قسري حتى اللحظة، جريمة مروعة بحقه ، كما بحق الذاكرة الثقافية اليمنية عموماً.

ومن أبرز أعمال البردوني التي لم تكن قد رأت النور في حياته، وكان أعلن عنها قبل وفاته في أكثر من حوار صحفي ومناسبة:

رحلة ابن من شاب قرناها_شعر

العشق على مرافئ القمر _شعر

أحذية السلاطين_شعر.

الجمهورية اليمنية_فكر سياسي (استكمال لكتابه الشهير اليمن الجمهوري).

الجديد والمتجدد في الثقافة اليمنية- أدب ونقد وفكر.

العم ميمون..رواية.

السيرة الذاتية.

أحياء في القبور- يتناول بعضاً من أعلام الأدب والفكر في اليمن المغمورين منهم والمهمشين.

*المقال خاص بـ(يمن مونيتور) ويمنع إعادة نشره دون الإشارة إلى مصدره الأصلي.

 
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص