أوباما.. الاستقبال الاستثنائي والوداع المهين

لم يكن الأمريكيون وحدهم في استقباله عند البيت الأبيض، كانت مشاعر ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية معهم في تلك اللحظة الاستثنائية من تاريخ العالم وتاريخ الولايات المتحدة خاصة، وما ذلك الاستقبال الحافل نتيجة لما تضمنته أطروحات أوباما الانتخابية، وما اشتمل عليه خطاب التنصيب من وعود وأحلام وما بشر به من زمن تسود فيه العدالة والمساواة بين سائر البشر على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ودياناتهم، بيد أنه لم يمر على أوباما في البيت الأبيض سوى وقت قصير حتى بدأ العد التنازلي يحاصر تلك الوعود والأحلام، قبل أن تتحوّل إلى صدمة ثم إلى حسرة. فقد تناسى رئيس البيت الأبيض أقواله المفعمة بالأمل والتوجه الإنساني، وبدأت الصورة الزاهية التي التقطها له العالم في الأيام الأولى، يتحوّل تدريجياً تجاهلها إلى صورة أخرى باهتة، ولا تختلف كثيراً عن صور الرؤساء الذين دخلوا البيت الأبيض والتزموا الأجندة المكتوبة على جدران المكتب البيضاوي بدقة وإخلاص.

وبعد ثماني سنوات أمضاها باراك أوباما في البيت الأبيض، لم يتحقق شيء مما وعد به مواطنيه، ولا مما وعد به فقراء العالم ومضطهديه الذين يعانون ولا يزالون يعانون.

ويتذكر العالم جيداً أن القضية الفلسطينية كانت في مقدمة أطروحاته ومحور بعض خطاباته. وكان أقل ما يحلم به أشقاؤنا في أرضهم المحتلة أن تتحقق فكرة الدولتين، وهو مشروع أمريكي مطروح منذ عقود، لكن الأيام مرّت والسنوات مرّت وظل ملف هذا المشروع في الأدراج شأنه شأن ملفات أخرى، كان تأخير البت فيها يؤرق وجدان البشرية ويقلق الرأي العام.

ولعل بند التأمين الصحي لمواطني أوباما كان في مقدمة الأجندة المحلية، وقد بدا هذا الأمر في السنوات الأولى من ولاية أوباما يشير إلى أنه قد نجح في تحقيق هذا الهدف، إلاّ أن السعي في هذا الشأن توقف إلى أن خرج أوباما من البيت الأبيض تاركاً لخلفه إحراق أوراق المشروع ورفض فكرة التأمين الصحي من الأساس، لأنه يكلّف الأغنياء وأصحاب المليارات زيادة في الضرائب، وهو – من وجهة نظر الرئيس الجديد – يتنافى مع مبادئ النظام الرأسمالي، ومع نظام الحكم في الولايات المتحدة الذي يتحكم فيه الأغنياء وأصحاب الشركات والمؤسسات التجارية الكبرى.

ومن الصعب تجاهل البند الخاص بمعتقلي «غوانتنامو» أولئك المعذبين بقسوة بما يخالف ما توافق عليه البشر قديماً وحديثاً بشأن أسرى الحروب وضحايا معرّاتها الظالمة، والمؤلم أن ذلك المعتقل أو بالأصح العار الإنساني لا يزال قائماً ولا يزال نزلاؤه عرضة للاحتراق صيفاً وللتجمد شتاءً، وبذلك يكون أوباما قد جاء وذهب وكأنه بمثابة جملة معترضة لم تغير في سياق الأمور شيئاً لا على المستوى الداخلي الأمريكي أو على المستوى العالمي، ولا جديد أضافه إلى نفسه سوى لقب الرئيس السابق، وهو لقب نجحت الديمقراطية الأمريكية في الإبقاء عليه وخالفت في ذلك ما عليه الحال في العالم الثالث، حيث لا وجود لشيء اسمه الرئيس السابق، وما لدينا من ألقاب لا تخرج عن لقب الرئيس القائد، والرئيس الابن، والرئيس الحفيد… إلخ.

وقد يرى البعض أن في بعض الإشارات الواردة في هذا الحديث ما يدخل في باب القسوة على الرئيس السابق باراك أوباما، وتجاهلاً لما يفرضه النظام الأمريكي والصلاحيات المحدودة للرئيس، والرد على ذلك يأتي من أن أوباما وهو محام مشهور وأدرى الناس بحقائق ذلك النظام وخفاياه، ومع ذلك فقد تمادى وأفرط بالوعود وفي التخيّل، بأنه سيدخل إلى البيت الأبيض ومعه العصا السحرية التي تمنحه القدرة على تغيير ما لا يتغير، ومعنى ذلك بعبارة أخرى أنه كان يجهل الواقع الأمريكي ويتجاهل القوى الظاهرة والخفية التي تتحكم في إدارة السياسة والاقتصاد في هذه الدولة العظمى، وهو الأمر الذي سيرغم خلفه الرئيس «دونالد ترامب» على أن يوقف شطحاته القولية ويلتزم مسار أسلافه، وإلاّ فمصيره لن يكون الخروج المذل والمهين من البيت الأبيض، بل الخروج الأقسى والأكثر إذلالاً وهو الطرد والإدانة بمخالفة القانون وتجاوز الدستور، وذلك ما بدأ الحديث عنه منذ اللحظة الأولى التي وضع فيها ترامب قدميه على أرض البيت الأبيض.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص